Skip to content

فرنسا: موت الجبهة الجمهورية

  • by
  • blog
  • 3 min read

لم تجدْ دعواتُ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استجابةً لدى الأطياف السياسية الفرنسية التي طالبها بتقديم مقترحات لطرق التوصل إلى «حلول وسط» لتسوية الأزمة السياسية وتفادي برلمان مغلق أسفرت عنه الانتخابات التشريعية الأخيرة. واستبعد الرئيس الفرنسي تشكيلَ حكومة وحدة وطنية، لكنه دعا زعماء الأحزاب المنافسة، إما إلى مناقشة خيارات تشكيل ائتلاف محتمل مع تحالفه الوسطي، أو النظر في تقديم الدعم لإصلاحاته على أساس كل مشروع قانون على حدة.

ويأتي هذا الكلام بعد أن مُني الائتلاف الحاكم «معاً» بزعامة الرئيس الفرنسي بخسارة سياسية مدوية وفق نتائج الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية، إذ خسر الأغلبيةَ المطلقةَ التي كان يتمتع بها في الجمعية الوطنية. وعلى الرغم من حصول تحالف «معاً» على أكبر عدد من المقاعد في الجمعية الوطنية (البرلمان) المؤلفة من 577 مقعداً، فإنه لم يبلغ العدد المطلوب لتشكيل أغلبية مطلقة، في تصويت شهد أداءً قوياً لتحالف اليسار واليمين المتطرف.

Advertisements

وأظهرت الأرقامُ النهائيةُ حصولَ معسكر ماكرون على 245 مقعداً، وهو ما يقل عن العدد اللازم لتحقيق الأغلبية المطلقة والذي يبلغ 289 مقعداً. وكل الأنظار تتجه صوب اليمين التقليدي الذي قد ينقذ الحكومة التي هُزم ثلاثةٌ من وزرائها في الانتخابات، كما انهزم رئيس الجمعية الوطنية ريشار فيران، وكذلك رئيس كتلة «الجمهورية إلى الأمام» كاستانير. أما الاتحاد الشعبي اليساري بقيادة جان لوك ميلنشون، فقد بات أول قطب معارض في البلاد بدخوله الجمعيةَ الوطنيةَ بـ150 نائباً.

بينما سجَّل «التجمع الوطني» اليميني المتطرف فوزاً تاريخياً في هذه الانتخابات، حيث دخل الجمعيةَ الوطنيةَ من بابها الواسع بـ89 نائباً، وهي نتيجة لم يسبق له الحصول عليها في تاريخه، وهي تمثل اختراقاً مثيراً للاهتمام، خاصة أن طريقة التصويت في التشريعيات الفرنسية ليست في صالح «التجمع الوطني» البتةَ، كما أن زعيمتَه مارين لوبان لم تقم تقريباً بأية حملة انتخابية، وظلت تردد حتى منتصف مايو أن ماكرون سيحصل على أغلبيته البرلمانية ولن تكون هناك أية مفاجآت. وهذه النتيجة يمكن تفسيرها بموت أفكار «الجبهة الجمهورية» لدى ناخبي اليمين واليسار على حد سواء. وكما يقول مارسيال فوكو، مدير مركر البحوث السياسية بمعهد العلوم السياسية في باريس (Cevipof)، «يقيني أنه في هذه الطريقة الخاصة جداً للتصويت والتي أعاقت تقدُّمَ حزب (التجمع الوطني)، فإن الجبهة الجمهورية قد انفصلت تماماً عن الواقع، أو حتى سقطت في غياهب النسيان».

Advertisements

زد على ذلك أن وعد رئيس الجمهورية في عام 2017 ببذل قصارى جهده لضمان ألا يكون لدى ناخبي مارين لوبان «أي سبب للتصويت لصالح المتطرفين» لم يكتب له النجاح، وهو ما نراه جلياً بعد مرور خمس سنوات والفوز الكبير الذي حصل عليه اليمين المتطرف. وأغلب المتتبعين للشأن السياسي الفرنسي يقولون بأن فرنسا ستدخل مرحلة من اللا يقين وعدم الاستقرار السياسي، فالانتخاباتُ البرلمانيةُ لم تعطِ الأغلبيةَ لأي حزب، وطبَعها تحقيقُ اليمين المتطرف تقدماً كبيراً، كما اتسمت بانقسام المشهد السياسي إلى ثلاث كتل: الوسط بقيادة ماكرون، واليمين المتطرف بقيادة لوبان وتحالف اليسار بقيادة ميلنشون (الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد).

ومعنى كل هذا الكلام، أن الرئيس ماكرون ولو أوصله الناخبون الفرنسيون للمرة الثانية إلى سدة الحكم، فإنهم لم يعطوه شيكاً على بياض، وقد عاقبوا حزبَه في هذه الانتخابات وصعّبوا عليه الوصول إلى توافقات كانت ستمكنه من تشكيل أغلبية حاكمة ومن تمرير أجندته للإصلاح الاقتصادي، ومن تعميق التكامل مع الاتحاد الأوروبي ورفع سن التقاعد وضخ دماء جديدة في القطاع النووي الفرنسي. هناك مشكل ثقة كبيرة بين الشعب الفرنسي وسياسييه، إذ لم يعد يثق فيهم ولا في أفكارهم ولا في أيديولوجياتهم، لذا فها هو يحدث زلزالا آخر في توجهاته الانتخابية وفي مصير الدولة الوطنية.

Advertisements

المهم من هذا المثال أن مسألة الثقة هي من المحددات التي تطبع مسار تكوين الدولة والمؤسسات. ولئن كانت المجتمعات السياسية مختلفة من بلد لآخر، فإن مدى تماسكها وقوتها على رد الرياح العاتية والسيول الجارفة، يكمن أولاً وقبل كل شيء في الثقة.

*أكاديمي مغربي
     

Advertisements
Advertisements

Join the conversation

Your email address will not be published. Required fields are marked *