Skip to content

زيارة ثانية لإعلام الحرب

  • by
  • blog
  • 3 min read

كتبت في هذه الصفحة بتاريخ 22 مارس 2022 عن إعلام الحرب في أوكرانيا، موضحاً التحيز الصارخ للإعلام الغربي بحيث لا يستطيع متابعوه أن يعرفوا الأبعاد الكاملة لتطورات هذه الحرب، وذكرت أن هذا ألجأني إلى متابعة الفضائية الروسية بانتظام، وبطبيعة الحال فإنها متحيزة لوجهة نظر روسيا، لكنها للأمانة تُغطي التطورات كافة، وتعرض لوجهات النظر المختلفة بما فيها المعادية للسلوك الروسي، وتستضيف أنصارَها في برامجها، فيما بقيت الفضائياتُ الغربية الشهيرةُ تعاني قصوراً واضحاً، أُركز على ثلاثة من ملامحه، وأولها أن هذه الفضائيات كانت تنشر أخباراً يمكن وصفها بالمضحكة، كأن يظهر خبر نصه: «عدد كبير من جنود الجيش الروسي لم يعد قادراً على القتال». هكذا دون ذكر لمصدر الخبر أو تحديدٍ لهذا العدد، أو مكان هؤلاء الجنود، أو تداعيات العجز الذي باتوا يعانونه. أو أن يظهر خبر آخر مفاده أن «مستشاري بوتين وضباط مخابراته ضللوه»!

دون ذكر لفحوى التضليل وما ترتب عليه. أو أن يتحدث خبر ثالث عن عجز بات الجيش الروسي يعانيه في الأسلحة والذخائر، مما ألجأ روسيا إلى الصين لتزويدها بما يحتاج إليه جيشها!

Advertisements

أو أن يقرر خبر رابع أن روسيا قد خسرت الحربَ استراتيجياً، دون أدنى إشارة للمعايير التي بُني عليها هكذا حكم. والملمح الثاني للقصور هو تجاهل أنباء الانتصارات الروسية تماماً، فعندما تواجه القواتُ الروسية صعوبات يتم تضخيمها، فإذا تغلبت عليها يتوقف بث الأنباء بهذا الخصوص، بل إن كان هناك إصرار على اختلاق هزائم وهمية للجيش الروسي، كما في الحديث عن دحر محاولته لاقتحام كييف فيما هو لم يحاول اقتحامها أصلاً، وإنما حاصرها ربما أملاً في أن يؤدي الحصار إلى تغيرات سياسية تطيح برئيسها، فلما فشل هذا التكتيك تحولت روسيا إلى التركيز على هدفها المباشر في الشرق.

أما الملمح الثالث فهو ذو طابع فني، ومفاده أن الرسائل الإعلامية في الفضائيات الغربية كانت تتضمن صوراً غير محددة المكان والزمان، وتستشهد بها على ما تصفه بـ«فظائع القوات الروسية»، فيما كان الإعلام الروسي ينشرها محددةَ المكان والزمان وينسبها للقوات الأوكرانية. ناهيك بالعديد من النماذج التي نشرت فيها فضائيات غربية مقاطع حية لـ«فظائع القوات الروسية وخسائرها» أثبت الإعلام الروسي أنها منقولة حرفياً من أفلام حربية، بل وألعاب فيديو.

Advertisements

والأهم من هذه التفاصيل أن الغرب قد خسر معركة الإعلام، وهي خسارة استراتيجية فادحة، ولقد ظل الغرب يعايرنا لعقود بالقيود على الحريات الإعلامية في بلدان العالم الثالث التي لا تسير في ركابه، فإذا به لا يكتفي الآن بالقيود على الرسائل الإعلامية المتعلقة بالحرب، وإنما يحظر الفضائية الروسية أصلاً منذ بدايات الحرب، ولم يكن لهذا سوى معنى واحد، وهو أن الآلة الإعلامية الغربية عاجزة عن تفنيد ما يرد في هذه الفضائية، وتخشى من تأثيره على الرأي العام لديها.

وأحسب أن هذا التطور بالغ الأهمية في الحرب العالمية الدائرة الآن على الأرض الأوكرانية، إذ لا تخفى أهمية البعد الإعلامي فيها. وللأمانة، فقد لاحظتُ مؤخراً بداية اتجاه مختلف نحو مزيد من الموضوعية بالتدريج، وأحسب أن هذا التطور يمكن أن يُرَد إلى التطورات الراهنة في الصراع عسكرياً واقتصادياً، فمن الواضح أن القوات الروسية وإن كانت تتقدم ببطء إلا أن تقدمها يحدث على نحو أكيد، وأنها بصدد استكمال سيطرتها على شرق أوكرانيا، كما أن العقوبات الاقتصادية الهائلة على روسيا لم توقفها عن الحرب، ناهيك عن أن فارضيها يعانونها بوضوح، وأن الرئيس بوتين بدأ ما يمكن أن يتطور إلى فرض عقوبات مضادة على أوروبا مستخدماً سلاح الغاز، وهذه قصة أخرى.

Advertisements

*أستاذ العلوم السياسية -جامعة القاهرة

Advertisements

Join the conversation

Your email address will not be published. Required fields are marked *